مفهوم الترجمة

تأسس مفهوم الترجمة على مر العصور عبر عدة مراحل وأحداث تاريخية ساهمت في ذلك، حتى أصبحت علماً قائماً بذاته، ومرتكز أساسي لتبادل المعرفة وتعايش الشعوب، فبدونها لانعزلت اللغات واحتُكرت المعارف وتضاءلت العلوم!

تعبر كلمة الترجمة عن عملية متكاملة تتلخص بنقل الكلام سواءً كان مقروءً أو مسموعاً أو مكتوباً من لغة لأخرى، مع المحافظة على أساس معنى الكلام ومضمون أفكاره المنصوص عليها في اللغة الأصلية له، ولكن من أين أتى أصل كلمة الترجمة وماهو تاريخ تطور هذا العلم وازدهاره؟ هذا ما سنتعرف عليه في مقالنا هذا.

يرجع أصل كلمة الترجمة للغة اللاتينية، حيث كانت تدل الكلمة على عملية التبديل والنقل، مع تطوّر استخدام المفردة ومع تطوّر اللغات في العلم.

أصبح استخدام المفردة منطبقاً على عملية نقل الكلام من صيغة لأخرى، أو من لغة للغة ثانية، بقصد إيصال مضمونه ومعناه من اللغة الأصلية، سواءً كانت عربية أو انجليزية أو تركية، إلى أي لغة ثانية كالفرنسية والإسبانية، وغيرها.

آلية تطور الترجمة

تطورت الترجمة خلال السنوات الأخيرة وتزايد الإقبال والاهتمام بها، لأن الحاجة للترجمة تتزايد مع تزايد السفر للسياحة أو للتعليم أو للعلاج وغيره، فالترجمة اليوم تكاد تكون متطلباً أساسياً للمسافر في تنقله وللطالب في تعلمه وللمهندس والطبيب والطيار في عمله، وكذلك في مجال الأعمال والمشاريع التجارية والصناعية والتكنولوجية.

كل تلك المجالات ستتفتح أمامها الآفاق وتتوسع فرص استثمارها وانتشارها إذا ما خاطبت شرائح مختلفة من الجماهير والشعوب بلغاتهم وكلامهم المعتاد. وهذا يجعل للترجمة مستقبل مشرق ومجال واعد ينمو بشكل متسارع مع ازدياد الوعي بأهمية الترجمة وفوائدها للمؤسسات والأفراد في أي مكان حول العالم.

نشأة الترجمة وتاريخها

تعود بدايات الترجمة لعصور تاريخية قديمة، اكتشفت أولى محاولات الترجمة لعدة كلمات ونقوش تعود لحقبة الحضارة المصرية القديمة وبلاد ما بين النهرين، كما أن هناك عدد من الرموز التي تعود لعام 2000 قبل الميلادـ يغلب الظن على أنها محاولة أولى للترجمة عبر التاريخ القديم.

أما الخطوة الأولى التي تعد نقلة نوعية في عالم الترجمة، حين قام الخليفة المأمون بتنمية “بيت الحكمة” وهي المكتبة الرائدة التي كانت مصدراً للمعارف وتدوين العلوم ونشرها وترجمتها، ابتداءً بتوحيد قواعد الترجمة وأصولها في بيت الحكمة منذ عام 813م تقريباً.

توالت عمليات تطوير الترجمة وقد مرّت بمحطات هامة، منها ما تم في عام 1500م عندما تم إنتاج أو عمل مطبوع متعدد اللغات في العالم، لتأتي بعد ذلك الثورة الصناعية التي ألقت بثقلها على مختلف مناحي الحياة، فتزايد الطلب على الترجمة، وتوثيق الإنجازات العلمية والاختراعات الصناعية وترجمة تلك الإنجازات للغات عدة.

مما أسّس لتكوين صيغة رسمية للترجمة كتخصص أو دراسة مستقلة وتخصص علمي  وعملي، يتخرّج منه متقنه كمترجم محترف يتقن الترجمة وأدواتها المختلفة.

الترجمة في العصر الحديث

منذ عام 1940م، بدأت المحاولات الجادة لنقل الترجمة لمستوى آخر، معتمدة على التكنولوجيا والتطور الذي وصل إليه العالم حينها، حيث كان العلماء يتطلّعون لأن تكون الترجمة معتمدة على تقنية تكنولوجية، تقلل من الوقت والجهد المبذول في الترجمة اليدوية.

تكللت هذه المحاولات بالنجاح في عام 1950م، حيث تمكن المهندسون والعلماء من أن تكون الآلات الطباعية المتطورة حينها وبرمجيات الحاسوب قادرة على تحويل ونقل الكلمات وبعض الرموز البدائية من لغة لأخرى.

كل تلك الجهود تظافرت لتطوير الترجمة والأدوات المعتمدة عليها، وذلك دليل على أهمية الترجمة ومركزية دورها المواكب لكل تطور ولكل طفرة معرفية.

بقيت مسيرة الترجمة وأدواتها في تطوّر مستمر حتى تسعينيات القرن الماضي، حيث تمكّن الحاسوب من ترجمة الكلمات والجمل، واستطاع أن ينقل معنى العبارة والجملة من لغة لأخرى، بشكل  بسيط ومقتصر على عدد من التطبيقات.

وفي يومنا هذا ما يزال قطاع البرمجيات الحاسوبية والانترنت يشهد تطوراً متسارعاً، كان للترجمة نصيب فيه، فالترجمة اليوم تساعد السائح والمعلم والطبيب والمؤرخ والتقني والمؤلف وكل شرائح المجتمع، لاكتساب مزيد من المعرفة والتعايش مع أكبر عدد ممكن من الشعوب والبلدان.

بدأت الترجمة بطرق بدائية، إلا أن تطويرها وتقديم الحلول المبتكرة لكل من يحتاجها كانت خطوة مهمة للغاية ومسؤولية كبرى أنجزها من سبقنا، وها نحن اليوم نكمل المسيرة، ونجعل للترجمة مكانة رائدة وأهمية كبرى لتعايش الشعوب وتعارف الثقافات وتنمية أعمال المؤسسات وشرائح جماهيرها.

اكتب تعليقُا